النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس في رمضان

النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس في رمضان





الكاتب: محمد بن عبد الله المقدي

إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد؛ فقد كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِى شَهْرِ رَمَضَانَ إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَلْقَاهُ فِى كُلِّ سَنَةٍ فِى رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ([1])، هكذا وصفه عبدُ الله بنُ عباسٍ رضي الله عنهما.

(ومدارستُه القرآنَ تجددُ له العهدَ بمزيدِ غنى النفسِ، والغنى سببُ الجود)([2]).

وكان جوده صلى الله عليه وسلم: (يجمعُ أنواعَ الجود كلها من بذلِ العلمِ والنفسِ والمالِ لله عز وجل، في إظهار دينِه وهدايةِ عباده وإيصالِ النفع إليهم بكلِ طريقٍ من تعليمِ جاهلِهم وقضاءِ جوائهم وإطعامِ جائعهم)([3]).

وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ؛ في سرعةِ مبادرته في الجودِ والإحسانِ في رمضان، واستنفاعُ الجميعُ بذلك كما هي سرعةُ الريحِ المرسلة، وعمومُها لجميعِ ما تهبُّ عليه، يقول ابن المنير رحمه الله: (فيعمُّ خيرُه وبرُّه من هو بصفة الفقرِ والحاجةِ ومَنْ هو بصفةِ الغنى والكفايةِ أكثر مما يعم الغيثُ الناشئةُ عن الريحِ المرسلةِ صلى الله عليه وسلم)([4]).

كان يقول عليه الصلاة والسلام: (الصدقةُ تطفئُ الخطيئةَ، كما يذهب الجليدُ على الصفا)([5]).

وكان يقول: (من أنفقَ نفقةً في سبيلِ الله كُتب له سبعمائةُ ضعفٍ)([6]).

وكان يقول: (كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقتِه حتى يُفصلَ بين الناسِ)([7]).

وكان يقول: (من استطاعَ أن يتقي من النارِ ولو بشقِ تمرةٍ فليفعلْ)([8]).

وكان يقول: (منْ أنفقَ زوجينِ في سبيلِ الله نوديَ من أبوابِ الجنةِ)([9]).

يقول ابن عمر رضي الله عنهما: (ما رأيتُ أحدًا أنجدَ ولا أجودَ ولا أشجعَ ولا أضوأَ وأوضأَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم)([10]).

وعن جابر رضي الله عنهما قال: ما سُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال: لا)([11]).

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلامِ شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلينِ فرجعَ إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطى عطاءَ لا يخشى الفاقة([12]).

ومن جودِه صلى الله عليه وسلم أنه جاءته امرأةٌ بِبُرْدة فقالت: يا رسولَ الله أكْسوك هذه، فأخذَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، فَلَبسَها، فرآها عليه رجل من الصحابةِ، فقال: يا رسول الله، ما أحْسَنَ هذه، فاكْسُنيها فقال له: نعمْ، فلما قام النبيُّ لامه أصحابُه فقالوا: ما أحسنْتَ حين رأيتَ النبي أخَذها مُحتاجًا إليها، ثم سألتَهُ إياها، وقد عرفتَ أنه لا يُسْأَل شيئًا فيمنعه فقال: (رجوتُ بَرَكَتَهَا حين لَبِسها النبي لَعَلي أُكَفَّن فيها)([13]).

وكان لمثل هذه المواقف أثرٌ بالغٌ في نفوس الأعراب حتى قال أنس: (إن كانَ الرجلُ ليسلمُ ما يريد إلا الدنيا، فما يسلمُ حتى يكونَ الإسلامُ أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها)([14]).

فالصدقة تنمي الإيمان، وتُعظِم التوكل، وتزيدُ الطمأنينةُ، وتعمقُ حسنَ الظنِّ برب العالمين سبحانه، وتدفعُ البلايا والمصائبَ، وتغلقُ أبوابَ السوء، وتشرحُ الصدرَ، وتفرحُ القلبَ، وتنيلُ الشرفَ، وتزيلُ الشحَّ، وتتغلبُ على هوى النفس، وتسترُ العيوب، وتستميلُ النفوس، وتظفرُ بثقتها ومودتها.

ويتعلم أبو الدحداح من مربيه وقدوتِه ومعلمِه محمدٍ بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فيستمعُ إلى قول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245].

 فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: وإنَّ الله ليريدُ منا القرضَ، قال: "نعمْ يا أبا الدحداح"، قال: أرني يدكَ يا رسول الله، قال: فناوله رسولُ الله يدَه، قال: فإني قد أقرضتُ ربي حائطي، قال: وحائطه له فيه ستمائةُ نخلةٍ وأمُّ الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاءَ أبو الدحداح فنادى: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي من الحائطِ فقد أقرضته ربي.

فلما سمعته يقولُ ذلك عمدتْ إلى صبيانِها تخرجُ ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامِهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كمْ منْ عِذْقٍ رداحٍ في الجنةِ لأبي الدحداح) ([15]). والعِذْقُ: هو ما يحملُ التمرَ في النخلةِ، رداح: ثقيلةٌ من كثرةِ ما تحمل.

والدرجات العلى لا تنال إلا بهذا الجودِ الذي بدأه النبي صلى الله عليه وسلم ثم تبعهُ أبو الدحداح والصالحينَ من بعدهم في سلسلةٍ متواترة ذهبيةٍ من الجودِ والكرمِ، ويجملها الله سبحانه وتعالى في آية سورة آل عمران بقوله: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}[آل عمران: 92].

يقول الإمام السعدي في تفسيره: (تنالوا: أي: تدركوا وتبلغوا البرَّ الذي هو كلُّ خيرٍ من أنواع الطاعاتِ وأنواعِ المثوباتِ الموصلُ لصاحبِه إلى الجنة، {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} أي: من أموالِكم النفيسة التي تحبُّها نفوسُكم، فإنكم إذا قدمتم محبةَ الله على محبةِ الأموال فبذلتموها في مرضاته، دلَّ ذلك على إيمانِكم الصادق وبرِّ قلوبكم ويقينِ تقواكم، فيدخل في ذلك إنفاقُ نفائسِ الأموالِ، والإنفاقُ في حالِ حاجةِ المنفقِ إلى ما أنفقه، والإنفاقُ في حال الصحةِ، ودلت الآية أن العبد بحسب إنفاقه للمحبوباتِ يكون بره، وأنه ينقصُ من بره بحسب ما نقصَ من ذلك) ([16]).

ثم يفسره النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسِه مع الصحابةِ رضوان الله عليهم بقوله: (سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَالُوا وَكَيْفَ قَالَ كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا)([17]).

وها هو عمرُ بن الخطابِ وأبو بكر الصديق يتسابقا في تنفيذِ هذا الحديث الشريفِ ويضربا أروع الأمثلةِ في الجودِ والكرمِ وبذلِ المالِ والجهدِ في سبيل رب العالمين سبحانه وتعالى، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِى فَقُلْتُ الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ) قُلْتُ مِثْلَهُ.

قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ) قَالَ أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لاَ أُسَابِقُكَ إِلَى شَىْءٍ أَبَدًا)([18]).

(والمهمُ أن نعرفَ أن هؤلاء الناس، الذين تمثلت فيهم نماذجُ الإنسانيةِ العليا: النماذجُ التي ظلت فريدةً في سموقها، وظلت سائرُ النماذج على مدار القرون تبدو في ظلها أقزامًا صغيرة، أو كائناتٍ غير تامة الوجود...

المهم أن نعرف أن هؤلاء الناس الذي حققوا ذلك المنهج الإلهي في حياتِهم على هذا النحوِ العجيبِ، قد ظلوا مع هذا ناسًا من البشرِ لم يخرجوا عن طبيعتهم، ولا عن فطرتهم؛ ولم يكبتوا طاقةً واحدةً من طاقاتهم البانية، ولم يكلفوا أنفسَهم كذلك فوق طاقتهم.

لقد زاولوا كلَّ نشاطٍ إنسانيٍّ، وأصابوا من الطيباتِ كلَّ ما كان متاحاً لهم في بيئتهم وزمانهم.

 لقد أخطأوا وأصابوا، وعثروا ونهضوا، وأصابهم الضعفُ البشري أحياناً كما يصيبُ سائرَ البشرِ وغالبوا هذا الضعف، وانتصروا عليه أحياناً أخرى)([19]).

وها هم الصالحون على الدربِ النبوي؛ فقد كان قيسُ بن سعدٍ بن عبادةَ رضي الله عنهما من الأجواد المعروفين، حتى إنه مرضَ مرة، فاستبطأ إخوانَه في العيادة، فسأل عنهم، فقيل له: إنهم كانوا يستحيونَ مما لك عليهم من الدينِ، فقال: أخزى الله مالًا يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر مناديًا ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حلٍّ؛ فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة من عاده.

وإبراهيم بن أدهم أيضًا: قال إبراهيم بن بشار: مضيت مع إبراهيم بن أدهم في مدينةٍ يقال لها طرابلس، ومعي رغيفانِ ما لنا شيءٌ غيرهما، وإذا سائلٌ يسأل، فقال لي: ادفع إليه ما معك، فلبثتُ، فقال: ما لك!! أعطه!! قال: فأعطيتُه وأنا متعجبٌ من فعلِه، فقال: يا أبا إسحاق.. إنك تلقى غدًا بين يدي الله ما لم تلقَه قط، واعلم أنكَ تلقى ما أسلفتَ ولا تلقى ما خلفتَ، فمهِّد لنفسك، فإنك لا تدري متى يفاجئك أمرُ ربك. قال: فأبكاني كلامُه وهوَّن علي الدنيا، فلما نظر إليَّ بكى قال: هكذا فكن.

وها هي زوجةُ النبي صلى الله عليه وسلم وأمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي تربتْ في بيتِ الصديق ثم استكملتْ التربية العليا في بيتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بعث محمد بن المنكدر إليها مالًا في غرارتين بلغ ثمانينَ أو مائةَ ألف درهم، فدعتْ بطبقٍ، وهي يومئذ صائمة، فجلست تقسمُ بين الناسِ، فأمست وما عندها من ذلك درهمٌ، فلما أمست قالت: يا جارية هلمي فطوري، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها الجارية: أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشتري لنا لح بدرهمٍ فنفطر عليه؟ قالت: لا تعنفيني، لو كنت ذكرتني لفعلت.

اِنْسَ نفسك هو شعار الصالحينَ، ورمضانُ هو شهرُ الجود، وشهرُ السخاء؛ فالنفوسُ في هذا الشهر تميلُ للكرمِ بفطرتها، وتوسِّع فيه على الغيرِ رجاءَ أن يوسِّع اللهُ عليها، وتشمل المحتاجينَ بالإحسان طمعًا في أن يشملنا الله بإحسانه الأهم، وتندفعُ بقوةٍ نحو فعلِ الخير بعد تصفيدِ الشياطين، فتنبعث إلى ما يزكيها ويطهرها من شحها.

فحيَّ على اختيار أفضلِ ما تحبُّ أو تحبين ونتصدقُ به ابتغاء وجه جل وعلا، وعلى قدرِ التضحيةِ تكون الدرجةُ والمنزلةُ عنده سبحانه وتعالى.

وحيَّ على أن تعود أولادَكَ وأولادَكِ الصدقةَ على فقيرٍ مستحقٍّ يعرفه فإن لم يجدْ ففي صندوقِ المسجدِ.

وحيَّ على مشروعاتِ إفطارِ الصائمينَ والمشاركةِ في إعداد الوجبات لهم وتوزيعها عليهم.

وحيَّ على شراءِ ملابسَ للأيتامِ والأطفالِ الفقراء وتوزيعها عليهم قبل يومِ العيد كي نرسم البسمةَ على وجوهم.

 

almagdy3@gmail.com 

 


([1]) رواه البخاري، (6)، ومسلم، (6149).

([2]) فتح الباري، ابن حجر، (1/41).

([3]) مجموع فتاوى ابن عثيمين، (20/262).

([4]) فتح الباري، ابن حجر، (4/139).

([5]) صحيح ابن حبان 5567 وهو صحيح.

([6]) رواه أحمد 18900وهو صحيح.

([7]) رواه أحمد 17371 وهو صحيح.

([8]) رواه مسلم 1016.

([9]) رواه البخاري 1897.

([10]) رواه الدارمي 59 ورجاله ثقات.

([11]) رواه البخاري 5574.

([12]) رواه مسلم 4275.

([13]) رواه البخاري، (5689).

([14]) رواه مسلم، (6161).

([15]) رواه الحاكم في مستدركه (2194)، وقال: صحيح على شرط مسلم وله شاهد، وقال قال الهيثمي في مجمع الزوائد، (9/324) : رجالهما رجال الصحيح.

([16]) تفسير السعدي، (138).

([17]) رواه النسائي في سننه، (2526)، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي، (2526).

([18]) رواه أبو داود في سننه، (1680)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (1678).

([19]) هذا الدين، سيد قطب، (28).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس في رمضان.doc doc
النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس في رمضان.pdf pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى