النبي صلى الله عليه وسلم والخوف من الله

النبي صلى الله عليه وسلم والخوف من الله






الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، ثم أما بعد؛ فأول ما دعا النبي صلى الله عليه وسلم حينما جهر بالدعوة على جبل الصفا أنه خوَّفهم وأنذرهم من عذاب اللهِ تعالى؛ فعن ابن عباس قال: ((لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهْ، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: أرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ مَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ، فَنَزَلَتْ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] سورة المسد))([1]).
يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما جهر بالدعوة إلى الله تعالى جهر بالتخويف من عذاب الله تعالى، وكان يجهر بقوله صلى الله عليه وسلم: ((أنقذوا أنفسَكم مِنَ النارِ؛ فإنِّي لا أملكُ لكم ضرًّا ولا نفعًا، ولا أُغْنِي عنكم مِنَ اللهِ شيئًا))([2]).
فمن هنا بدأت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وبدأ القرآنُ الكريم ينزل عليه، وبدأ الصحابة رضي الله عنهم ينهلون من أخلاقه وشمائله، حتى أكمل اللهُ تعالى الدينَ وأصبحت حياة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية مصدرًا تشريعيًّا للأمة كلها، ولا يجوز للإنسان العاقل أن يحيد عن ذلك المنهج الإسلامي الصحيح.
ولقد كانت دعوتُه صلى الله عليه وسلم إلى الخوف من الله تعالى دعوةَ حريصٍ على قومه، فقد حكى القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 2-3].
قال الطبري: (إنني لكم من عند الله (نذير) ينذركم عقابَه على معاصيه وعبادةِ الأصنام، (وبشير) يُبشرُكُم بالجزيلِ من الثواب على طاعتِه وإخلاص العبادةِ والألوهية له، وقوله تعالى: {وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يوم كبير}: إن أعرضوا عما دعوتَهم إليه، من إخلاصِ العبادةِ للهِ، وترك عبادةِ الآلهة، وامتنعوا من الاستغفارِ للهِ والتوبةِ إليه، فَأَدْبَرُوا مولين عن ذلك، فإنِّي أيها القوم أخافُ عليكم عذابَ يومٍ كبير شأنه)([3]).
وهكذا كان يربي محمد صلى الله عليه وسلم أصحابَه على الخوف من الله تعالى، وكان دائمًا يُعَلِّقُهم بالآخرة وما فيها من أهوال، فتارة تجده يُذَكِّرُ الصراط وعبوره، وتارة تجده يُذَكِّرُ شدة الوقوف بين يدي الله، وغيرها من الأهوال وعرصات القيامة، فكان يدعوهم إلى الخوف من الله تعالى بأساليب شتى، بل يغرسها في نفوسهم بأرقى الوسائل، فدعوته صلى الله عليه وسلم للناس إنما هي نموذج عملي في خوفه من الله تعالى.
وقد أمره اللهُ تعالى في القرآن الكريم بالخشيةِ والخوف منه سبحانه وتعالى في أكثر من موضع؛ حيث قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الزمر: 13]، قال الطبري: (قُلْ يا محمد لهم: إنِّي أخافُ إِنْ عصيتُ ربِّي فيما أمرني به من عبادته، مخلصًا له الطاعة، ومُفْرِدُه بالربوبيةِ {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يعني عذاب يوم القيامة، ذلك هو اليوم الذي يعظم هولُه)([4]).
قال القاضي عياض: (فترى أنه صلى الله عليه وسلم كان يخاف على نفسِه من المعصية، وقد عَصَمَهُ اللهُ تعالى بمقتضى اصطفائه للنبوة والرسالة، وعصمتُه صلى الله عليه وسلم من كبائر الذنوب وصغارها محل إجماعٍ عند أهل العلم)([5]).
تأثره وبكاؤه صلى الله عليه وسلم من خشية الله تعالى:
إن سيرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم مليئة بالمواقف الدالة على خوفه من الله تعالى في جميع شئون حياته، فحياته صلى الله عليه وسلم مليئه بالطاعة والعبادة والتذلل والخضوع لله تعالى، فيجب على المربين أن يتعلموا تلك المواقف، وأن يجعلوها نبراسًا في حياتهم، وأن يربوا الناشئة عليها، فوجود القدوة الحسنة في الحياة ضرورة لابد منها؛ ليحتذي بها الإنسان، ويكتسب منها المعالم الإيجابية لحركته في الحياة.
من أجل ذلك جعلَ اللهُ تعالى الرسولَ صلى الله عليه وسلم قدوةً ونموذجًا يُجَسِّدُ الدينَ الذي أُرْسِلَ به، حتى يعيش الناسُ واقعًا حقيقيًّا بعيدًا عن الأفكار المجردة، فكان صلى الله عليه وسلم خيرَ قدوة للأمة في تطبيق هذا الدين، ليكون منارًا لها إلى يوم القيامة، ومن تلك المواقف الدالة على بكائه من خشية الله تعالى:
  • عن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: (أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، ولجوفِه أزيزٌ كأزيزِ المرجلِ من البكاءِ)([6]).
ويستدل ذلك على عظيم معرفته بالمولى جل جلاله، حيث كان يخافه ذلك الخوف، ويخشاه تلك الخشية، مع أنه سبحانه وتعالى قد أَمَّنَ جنابَه، وأعلى منزلتَه عنده، حيث اصطفاه لختم رسالاته ولأفضل شرائعه، حتى صار لربِّه عز وجل خليلًا([7])، فبكاءه صلى الله عليه وسلم وهو يصلي إنما هو دليل علي كمال خوفه وخشيته لربه،فهذا ناشئ عن عظيم الرهبة والإجلال له سبحانه وتعالى.
  • عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((قال لي النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اقرأ عليَّ القرآنَ، فقلتُ: يا رسول اللهِ، أقرأُ عليك، وعليك أُنْزِلَ؟! قال: إنِّي أُحِبُّأَنْ أسمعه من غيري، فقرأتُ عليه سورة النساء، حتى جئتُ إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا}، قال: حَسْبُك الآن، فالتفَتُّ إليه فإذا عيناه تذرفان))([8]).
قال النووي: (في حديث ابن مسعود فوائد؛ منها: استحباب استماع القراءة، والإصغاء لها والبكاء عندها وتدبرها، واستحباب طلب القراءة من غيره ليستمع له)، وقال القرطبي: (قال علماؤنا: بكاءُ النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لعظيمِ ما تضمنته هذه الآيةُ من هولِ المطلعِ وشدة الأمرِ؛ إذ يُؤتى بالأنبياء شهداء على أُمَمهم بالتصديق والتكذيب، ويُؤتى به صلى الله عليه وسلم يومَ القيامةٍ شهيدًا على أمته وغيرهم)([9]).
ففي هذا الموقف يتبين تذكر النبي صلى الله عليه وسلم اليومَ الرهيب، والموقف المهول، والمشهد المخيف؛ فبكى صلى الله عليه وسلم من هول ذلك اليوم وما فيه من مشاهد عظام، كما يتبين تدبره وخضوعه لكلام الله تعالى.
  • إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان إذا تغيَّر الهواءُ وهَبَّت ريحٌ عاصفة؛ يتغير وجهه، فيقوم ويتردد في الحجرة، ويدخل ويخرج، كل ذلك خوفًا من عذابِ اللهِ تعالى؛ فعن عائشة - رضي الله عنها: ((مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَإِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُواعَارِضٌ مُمْطِرُنَا؟!))([10]).
قال النووي: (فيه استعدادٌ بالمراقبةِ لله تعالى والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه، وكان خوفه صلى الله عليه وسلم أن يعاقبوا بعصيان العصاة، وسروره لزوال سبب الخوف)([11]).
وقال الزهراوي معلقًا على الحديث: (فكان الرسولُ صلى الله عليه وسلم لشدةِ خوفه، وعظيم خشيته، وبديع رهبته، يطيرُ قلبُه، ويخفقُ فؤادُه خوفًا، ويتغيرُ وجهه حزنًا لأي تغير يطرأ في الجو، أو عارض يلوح في الأفق، إذا هَبَّت العواصفُ خافَ ولجأ إلى ربِّه بالدعاء، وإذا انعقدَ الغمامُ خافَ، فإذا رأى غيمةً أو ريحًا عُرِفَ ذلك في وجهه، وإذا كسفت الشمس خافَ وفزع إلى الصلاةِ يدعو ربَّه ويناجيه)([12]).
وهكذا كان خوف النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا كانت خشيته لربِّه تعالى، وهو إمام المتقين وصفوة العالمين، ما قارفَ خطيئةً وما تلطخ بمعصية، وما تعرَّض لخطأ، ومع كل ذلك كان في الخوفِ آيةً، وفي الخشيةِ قدوةً، وهكذا عَمَّرَ قلوبَ أصحابه رضي الله عنهم، وأحيا بالترهيبِ نفوسًهم، وأيقظَ بالخشيةِ ضمائرَهم، فأتوا بالعجائب.
أثمر ذلك الخوفُ في حياتهم فضربوا للدنيا أروع الأمثلة في التقوى، وبلغوا القمة في العبادة، والغاية في الزهد، طهرت نفوسُهم، وزكت قلوبُهم، وعظمت أعمالُهم، وحسنت أقوالُهم، خافوا اللهَ تعالى فأخافوا منه كلَّ شيء، وخضعوا له فخضعت لهم الرقابُ وذلت لهم الأمم، ودانت لهم الشعوبُ، فعلى المربين أن يجعلوا الرسولَ صلى الله عليه وسلم قدوةً في تربيتهم، وفي أداء رسالتهم العلمية والعملية.

الهوامش:
([1]) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}، (4687).
([2]) رواه الترمذي، كتاب أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الشعراء، (3185)، وقال الترمذي: حديث حسن.
([3]) تفسير الطبري.
([4]) المصدر السابق، (21/270).
([5]) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي أبو الفضل بن عياض، دار الكتاب العربي، بيروت، 1404 هجرية، (2/126).
([6]) رواه النسائي، (1213)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، مكتبة المعارف، الرياض، 1489 هجرية، ص(391).
([7]) أخلاق النبي r في القرآن والسنة، أحمد بن عبد العزيز الحداد، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1996م، ص(135).
([8]) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، النووي، ط2، مؤسسة قرطبة، جدة، 1414 هجرية، ص(150).
([9]) التذكار في أفضل الأذكار، القرطبي، ط3، مكتبة دار البيان، دمشق، 1407 هجرية، ص(150).
([10]) رواه مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم والفرح بالمطر، (899).
([11]) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، النووي، (2/16).
([12]) اللهُ أهل الثناء والمجد، ناصر بن مسفر الزهراني، ص(650).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
النبي صلى الله عليه وسلم والخوف من الله doc
النبي صلى الله عليه وسلم والخوف من الله pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى