آثارُ الرجاءِ على العباد

آثارُ الرجاءِ على العباد





الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد؛ فالرجاءِ فِي اللهِ تعالى آثارٌ تظهرُ على صاحبِها؛ منها:

1.  انشراح الصدر:

دعاءُ اللهِ سبحانه وتعالى ورجاؤُه يعطي الإنسانَ الأملَ بكرمِ اللهِ تعالى، فيبعثُ فيه الطمأنينةَ وَانشراحَ الصدرِ، فاللهُ تعالى الجوادُ الكريمُ المتفضلُ على عبادِه بكرمِه وَعفوِه وَرِضاه، الذي يدعو الإنسانَ للتوبةِ بما يُقَدِّمه منْ مغرياتِ العرضِ.

وَقَدْ أخبرَنا النبيُّ - صلى اللهُ عليه وسلم - بكثيرٍ مِنَ الأحاديث الشريفةِ عنْ عفوِ اللهِ تعالى، وَعظيمِ مغفرتِه وَفرحِه بتوبةِ عبدِه، كمَا أخبرنا اللهُ تعالى في كثيرٍ منَ الأحاديث القدسيةِ؛ يقولُ الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلم: ((قالَ اللهُ عز وجل: أنَا عِندَ ظَنِّ عبدِي بِي، وَأَنَا معه حيثُ يذكُرُنِي، وَاللهِ! للهُ أفرحُ بتوبةِ عبدِه منْ أحدِكم يجدُ ضالتَه بالفلاةِ، وَمَنْ تقرَّبَ إليَّ شبرًا، تقربتُ إليه ذراعًا، وَمَنْ تقرَّبَ إليَّ ذراعًا تقربتُ إليه باعًا، وإذا أقبلَ إليَّ يمشي أقبلتُ إليه أُهَرْوِلُ))([1]).

وَقَالَ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم: ((وَالذي نفسِي بيدِه! لوْ لمْ تُذْنِبُوا لذهبَ اللهُ بكمْ، وَلجاءَ بقومٍ يُذنبون، فيستغفرونَ اللهَ، فيغفر لهم))([2])؛ وهذا ليسَ تحريضًا على الذنوبِ، وَإنما كانَ ذلكَ تسليةً للصحابةِ – رضيَ اللهُ عنهم - لما غلبتْ عليهم شدةُ الخوفِ، فهذا الحديثُ يُنَبِّه على رجاءِ مغفرةِ اللهِ تعالى، فقدْ سبقَ في علمِ اللهِ أنَّه يغفرُ للعاصي، فلوْ قُدِّرَ عدمُ وجودِ العاصي لَخَلَقَ اللهُ تعالى مَنْ يعصِيه فيغفرَ له([3]).

2. يدفعُ المؤمنَ للعملِ الصالحِ وَالبعدِ عَن الرياءِ:

عندما يدعو الإنسانُ اللهَ تعالى وَيرجوه، يكونُ عالمًا تمامَ العلمِ بأنَّه لابدَّ له مِنَ العملِ معَ الرجاءِ حتى يكونَ رجاؤُه صحيحًا، وَلا يكونَ تمنيًا وغرورًا، وَهذا العملُ حتى يكونَ مقبولًا عندَ اللهِ تعالى لابدَّ مِنْ تحققِ شروطِه، التي منها الإخلاصُ للهِ تعالى، حتى لا يحبطَ العملُ وَيكونَ هباءً منثورًا.

فقدْ قَالَ اللهُ تعالى في ذلكَ: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23]، وَقَدْ جاءَ فِي القرآنِ الكريمِ وَالسُّنةِ النبويةِ الشريفةِ مَا يؤكدُ ضرورةَ إخلاصِ العملِ؛ قَالَ تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، فالمقصودُ بالعملِ الصالحِ إخلاصُ نيتِه للهِ وَعدمُ الرياءِ([4]).

يقولُ الرسولُ - صلى اللهُ عليه وسلم -: ((قَالَ اللهُ تبارك وَتعالى: أنَا أَغْنَى الشركاءِ عن الشركِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فيه معي غيري؛ تركتُه وشركَه))([5]).

3. يمنعُ القنوطَ مِنْ رحمةِ اللهِ تعالى:

قَالَ تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، وَقِيلَ فِي سببِ نزولِ هذه الآية: (أنَّ أناسًا مِنْ أهلِ الشركِ كانوا قدْ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنُوا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوا محمدًا صلى اللهُ عليه وسلم فقالوا: إنَّ الذي تدعو إليه لحسنٌ إنْ تُخْبِرنا لِمَا عَمِلْنَاه كفارةٌ؛ فنزلتْ الآيةُ الكريمةُ)([6]).

4. يُوجِبُ له المزيدَ مِنْ معرفةِ أسماءِ اللهِ تعالى وَمعانيها وَالتعلق بها:

فإنَّ الراجي متعلقٌ بأسمائِه مُتَعبدٌ بها([7])، فيدعو اللهَ تعالى وَيرجوه بأسمائِه المتعدِّدَة، مما يجعلُه على اطلاعٍ بأغلبِ أسماءِ اللهِ تعالى، وَهوَ طلبٌ مِنَ اللهِ تعالى أنْ ندعوه بأسمائِه الحسنى؛ فَقَالَ تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180].



الهوامش:

([1]) رواه مسلم، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، (2657).

([2]) رواه مسلم، كتاب التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار، (2749).

([3]) انظر: دليل الفالحين، ابن علان، (2/265).

([4]) انظر: معالم التنزيل، البغوي، (5/213).

([5]) رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، (2985).

([6]) لُباب النقول في أسباب النزول، السيوطي، ص(219).

([7]) مدارج السالكين، ابن القيم، (2/50).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
آثارُ الرجاءِ على العباد.doc doc
آثارُ الرجاءِ على العباد.pdf pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى