الفناءُ فِي اللهِ (وحدة الوجود) (4)

الفناءُ فِي اللهِ (وحدة الوجود) (4)






الحمدُ للهِ وَالصلاةُ وَالسلامُ على رسولِ اللهِ وَآلِه وَصَحبِه وَمَنْ وَالَاه وبعد ... وَأمَّا المجموعةُ الثانيةُ: فتتضمنُ أقوالًا لأبي القاسمِ الجنيد شيخِ الطائفةِ الصوفيةِ، قَالَ فيها بوحدةِ الوجودِ بطريقةٍ إشاريةٍ خفيةٍ دونَ التصريحِ بِهَا.

أولُها: (سُئِلَ الجنيدُ عنْ رجلٍ غابَ اسمُه، وَذَهَبَ وصفُه، وَامتحَى رسومُه فَلَا رَسْمَ لَه، قَالَ: نَعَمَ؛ عندَ مشاهدتِه قيامَ الحقِّ له بنفسِه وَلنفسِه فِي مُلكهِ، فيكون ذلكَ معنى قولِه: امتحَى رسومه، بمعنى علمه وَفِعله المضاف إليه بنظرِه إلى قيامِ اللهِ لَهُ فِي قيامِه، قَالَ القائلُ: برسومِ دراساتٍ وَطلل)([1]).

وَقولُه هذا يحملُ القولَ بوحدةِ الوجودِ، وَمعناه نفس معنى كلامِ السراجِ السابقِ، وَمفادُه أَنَّ الصوفيَّ الذي زالتْ رسومُه وَصفاتُه البشريةُ بممارستِه للطريقِ الصوفيِّ يكونُ قَدْ وَصَلَ إلى حالةِ الفناءِ فِي اللهِ، وَفِيهَا يستشعرُ الألوهيةَ بقيامِ اللهِ – الحقِّ - لَهُ بنفسِه وَلنفسِه، فيجدَ نفسَه أنَّه هوَ اللهُ حَسْبَ زعمِ الجنيدِ وَأصحابِه.

وَقولُه الثاني: مؤدَّاهُ أَنَّ الجنيدَ أرسلَ رسالةً إلى أحدِ أصحابِه الصوفيةِ، فكانَ مما قَالَ لَهُ فيها: (أماتَكَ اللهُ عَنكَ، وَأَحْيَاكَ بِهِ، وَأَيَّدَكَ بالفَهْمِ، وَفَرَّغَ قَلبَكَ مِنْ كُلِّ وَهْمٍ، وَأفناكَ بالقربِ عَنْ المسافةِ، وَبِالأُنْسِ عَنْ الوحشةِ)([2]).

وَقولُه هذا تضمنَ الدعاءَ لصاحبِه بأنْ يصبحَ ربًّا وَيشهدَ وحدةَ الوجودِ، بِأنْ يفنيَه اللهُ ويُمِيتَه وَيزيلَ عنه رسومَه وَصفاتِه البشريةَ، وَهذَا معنى قولِه: (أماتَكَ اللهُ عَنْكَ)، ثمَّ دعَا له بأن يحييَّه بعدما أماتَه فيجعلَه يستشعرُ الألوهيةَ بأنَّه هُوَ اللهُ، وَهذَا معنى قولِه: (وَأحياكَ بِهِ).

وَنفسُ ذلكَ القول رُوي عنْ الجنيد أنَّه عَرَّفَ بِهِ التصوفَ بقولِه: (التصوفُ هوَ أَنْ يُمِيتكَ الحقُّ عنكَ، وَيُحْييكَ بِهِ)([3]).

وَمعنى كلامِه أَنَّ غايةَ التصوفِ هي أنَّها تنقلُ الصوفيَّ مِنَ الفَرْقِ إلى الجَمْعِ، وَمِنَ البشريةِ إلى الربوبيةِ وَالألوهيةِ، وَمِنَ الاعتقادِ بتعددِ الوجودِ - الخالق والمخلوق - إلى الاعتقادِ بكفريةِ وحدةِ الوجودِ - لَا موجودَ إلا الله -.

وَالقولُ الثالثُ - من المجموعةِ الثانيةِ -: مفادُه أنَّ الجنيدَ كَتَبَ رسالةً إلى أحدِ الصوفيةِ، مطلَعُها: (هَنَّأَكَ اللهُ كرامتَه، فأنتَ غيثٌ لأهلِ مودتِه ... وَمُنْتَسِبٌ إلى وحدانيتِه، وَمُخْبِرٌ عَنْهُ بِهِ، وَمَن اصطَنَعَهُ لنفسِه فِي قديمِ أزليتِه، وَأَطْلَعَهُ على مكنونِ سِرِّهِ ...)([4]).

وَأقولُ: كلامُه هذا يتضمنُ القولَ بوحدةِ الوجودِ، فقولُه: (منتسبٌ إلى وحدانيتِه) هوَ تعبيرٌ مشبوهٌ لا يصحُّ استخدامُه شرعًا، وَإنما هوَ تعبيرٌ صوفيٌّ يندرجُ ضمنَ قولِ الصوفيةِ بأنَّ كُلَّ الكائناتِ التي نراها - وَمنها الإنسانُ - ليسَ لها وجودٌ حقيقيٌّ، وَإنما هيَ أشباحٌ وَرسومٌ دالةٌ على اللهِ وَتجلياتٌ وَامتدادٌ لَهُ.

فذلكَ الصوفيُّ وَغيرُه مِنَ الكائناتِ كلِّها تنتسبُ إلى وحدانيةِ اللهِ بحكمِ أنها تجلياتٌ لَهُ حَسْبَ زعمِ الصوفيةِ، وَلَاشَكَّ أَنَّ قولَه هذا باطلٌ قطعًا؛ لأَنَّ الحقيقةَ هيَ أَنَّ الإنسانَ لا ينتسبُ إلى الوحدانيةِ، وإنما هوَ مِنْ مخلوقاتِ اللهِ، وَنحنُ عبيدُه وَلَسنَا أشباحًا لَهُ.

وَقولُه: (مُخْبِرٌ عنه)، فهوَ يصفُ حالةَ الفناءِ النهائيةِ التِي يصلُ إليها الصوفيُّ، فعندما يتخلصُ مِنْ رسومِه وَصفاتِه البشريةِ يستشعرُ الألوهيةَ وَيصبحُ إلهًا، وَهنا يخبرُ عَنْ اللهِ بِهِ، بمعنى آخر أنَّه يُعَبِّرُ عنْ اللهِ بِاللهِ، وَيتحدثُ عَنْ اللهِ باللهِ، وَذلك يعني أنَّه هوَ اللهُ، وَاللهُ هو الصوفيُّ أيضًا.

فالرجلُ أَلْغَزَ كلامَه وَضَمَّنَهُ القولَ بخرافةِ وحدةِ الوجودِ.

وَالقولُ الرابعُ: مِنْ أقوالِ الجنيد، مضمونُه: (قيلَ للجنيد: قُلْ لا إله إلا الله، فَقَالَ: ما نَسِيتُه فأذكرَه!! وَقَالَ:

حاضرٌ فِي القَلْبِ يَعْمُرُه              لَسْتُ أَنْسَاهُ فَأَذْكُرَه

فَهُوَ مَوْلَايَ وَمُعْتَمَدِي               وَنَصِيبِي مِنْهُ أَوْفَره)([5])

وَأقولُ: كلامُه هذا يتضمنُ قولَ الجنيد بوحدةِ الوجودِ؛ بدليلِ الشاهدين الآتيين:

الأولُ: إنَّه رَفَضَ قولَ كلمةِ التوحيدِ: لا إله إلَّا الله، مَع أَنَّ الشرعَ أَمَرَنَا بقولِها وَالتعبدِ بِهَا، وَرَفْضُهُ هذا سببُه أَنَّ كلمةَ التوحيدِ الشرعيةِ تخالفُ كلمةَ التوحيدِ الصوفيةِ، وَهيَ: لا موجودَ إلَّا الله، وَالفرقُ بينَ التوحيدين كبيرٌ وَمُتَنَاقِضٌ أيضًا.

لِأَنَّ كلمةَ التوحيدِ الإسلاميةِ نَفَتْ وجودَ إلهٍ مَعَ اللهِ، لكنَّها لم تَنْفِ وجودَ مخلوقاتِه مَعه، لكن كلمةَ التوحيدِ الصوفيةِ نَفَتَ وجودَ أي كائنٍ آخر مَع اللهِ، لا إله وَلَا مخلوقات مَعه، وَلهذا رَفَضَ الجنيدُ قولَ كلمةِ التوحيدِ الإسلاميةِ؛ لأنَّها مخالفةٌ لكلمةِ التوحيدِ الصوفيةِ التِي كانَ يؤمنُ بِهَا.

وَالشاهدُ الثاني: مَفَادُه أَنَّ امتناعَ الجنيد مِنْ قولِ كلمةِ التوحيدِ الإسلاميةِ بدعوى أنَّه مَا نسيَ اللهَ حتى يذكرَه، بَلْ وَقَالَ: (لَسْتُ أَنْسَاهُ فَأَذْكُرَه)، هوَ دليلٌ قويٌّ على أنَّه كَانَ يعتقدُ بوحدةِ الوجودِ؛ لأنَّ الذي يلا ينسى اللهَ هوَ اللهُ تعالى: {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه: 52].

وَقَالَ تَعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } [مريم: 64].

وَقَالَ تَعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} [الكهف: 24].

وبمَا أَنَّ الجنيدَ أكَّدَ أنَّه لا ينسى اللهَ؛ لِذَا لا يذكرُه، فهذَا يعني أنَّه كانَ يعتقدُ أنَّه هوَ اللهُ حَسْبَ خرافةِ وحدةِ الوجودِ، لأنَّ الذي يعتقدُ أنَّه هوَ اللهُ ليسَ فِي حاجةٍ إلى ذِكْرِ اللهِ، وَلَا ينساه أيضًا، لأنَّه هوَ اللهُ حَسْبَ زَعْمِ الصوفيةِ.

وَقولُه الخامس: عَرَّفَ بِه الجنيدُ التصوفَ بقولِه: (إنمَا هذَا الاسمُ - التصوف - يعني: نَعْتٌ أُقِيمَ العَبْدُ فِيه)، فقيلَ لَهُ: (يَا سيدي، نَعْتٌ للعبدِ؟ أَمْ نَعْتٌ للحقِّ؟ فقالَ: نَعْتٌ للحقِّ حقيقةً، وَنَعْتٌ للعبدِ رَسْمًا)([6]).

وَقولُه هذا صريحٌ فِي قولِه بوحدةِ الوجودِ، وَمعناهُ أَنَّ الصوفيَّ بَعْدَ ممارستِه للعباداتِ الصوفيةِ يصلُ إلى صفةٍ – حالة - يكونُ فيها هوَ الحقَّ – الله - حقيقةً، وَيكونُ عبدًا رسمًا وَشكلًا فقط لا حقيقةً، وَإنما هوَ شبحٌ دالٌّ على اللهِ وَمِنْ تجلياتِه.

وَالقولُ السادس: يتعلقُ بتفسيرِ الجنيد لقولٍ حكاه الصوفيُّ أبو يزيد البسطامي عَنْ شطحاتِه وَأوهامِه مَع اللهِ حَسْبَ زعمِه، فقَالَ البسطامي: (رَفَعَنِي مَرَّةً فأقامَنِي بينَ يديه، وَقَالَ لي: يَا أبا يزيد، إِنَّ خَلْقِي يحبونَ أَنْ يَرَوْكَ، فقُلتُ: زَينِّي بوحدانيتِك، وَأَلْبِسْنِي أنانيتكَ، وَارْفَعْنِي إلى أَحَدِيَتِك، حتى إذَا رَآنِي خَلْقُكَ قَالوا: رأيناكَ، فتكونَ أنتَ ذاك، وَلَا أكونُ أنَا هنا)([7]).

وَأمَّا الجنيد فَعَلَّقَ على كلامِ البسطامي بقولِه: (هذَا كلامُ مَنْ لَمْ يُلْبِسْهُ حقائق وِحْدَةِ التفريدِ فِي كمالِ حَقِّ التوحيدِ، فيكونُ مستغنيًا بِمَا ألبَسَهُ عَنْ كونِ مَا سَأَلَهُ، وَسؤالُه لذلك يدلُّ على أنَّه مقارِبٌ لِمَا هناك، وَليسَ المقاربُ للمكانِ بكائنٍ فيه على الإمكانِ وَالاستمكانِ، وَقَولُه: (أَلْبِسْنِي وَزَينِّي، وَارْفَعْنِي) يدلُّ على حقيقةِ مَا وَجَدَهُ مما هذا مقدارُه وَمكانُه، وَلَمْ يَنَلْ الحظوةَ إلَّا بقدرِ مَا استَبَانَهُ)([8]).

واضحٌ مِنْ كلامِ الجنيد أنَّه نَقْدٌ لقولِ البسطامي، وَبأنَّه يشهدُ على صاحبِه بِأَنَّه كَانَ ما يزال ناقصًا فِي طريقِه الصوفيِّ، وَلَمْ يصلْ إلى غايتِه النهائيةِ؛ لأنَّ كلامَه يشهدُ بِأَنَّه تكلمَ مِنْ مَقَامِ الفَرْقِ لَا الجَمْعِ وَلَا التَفْرِيدِ، وَمِنْ مقامِ تَعَدُّدٍ لَا مِنْ وحدةِ الوجودِ، فالكمالُ الصوفيُّ عندَ الجنيد هوَ أنْ يَصِلَ الصوفيُّ إلى مقامِ وحدةِ الوجودِ.

وَزيادةٌ فِي التوضيحِ وَالإثراءِ أَذْكُرُ هنا شرحَ الباحثِ عبد الرحمن عبد الخالقِ لكلامِ الجنيد وَتعليقَه عليه؛ فَقَالَ: (وَبالطبع لَنْ يستطيعَ أحدٌ أنْ يفهمَ شرحَ الجنيدِ لشرحِ صاحبِه أبي يزيد إلَّا مَنْ فَهمَ عقيدةَ القومِ، وَعَرفَ محتواها على الحقيقةِ، وَإليكَ شرحُ كلامِه حتى كأنَّك تحسه وَتراه إنْ شاءَ اللهُ.

أقولُ: حَكَمَ الجنيدُ على صاحبِه - أبي يزيد - بأنَّه لَمْ يصلْ بعدُ إلى كمالِ حقيقةِ التفريدِ، وَمعنى التفريد: أنْ يعتقدَ الصوفيُّ أنَّه مَا ثَمَّ فِي الحياةِ إلا فردٌ واحدٌ، هوَ اللهُ، تَعَدَّدَتْ وجُوداتُه بحسبِ مَا يظهرُ للناسِ، وَلكنَّ الحقَّ واحدٌ.

وَلذلك قالَ عنْ أبي يزيد: (هذا كلامُ مَنْ لَمْ يُلْبِسْهُ - أي الله تعالى - حقائقَ وحدةِ التفريدِ)؛ أي: لَمْ يَرَ غيرَ اللهِ غيرًا كَمَا مَرَّ مِنْ كلامِ الحلاج، وَلذلكَ قَالَ عنه أيضًا بأنَّه لو رأى التفريدَ على الحقيقةِ لكانَ مستغنيًا بما أَلْبَسَهُ عَنْ كونِ مَا سألَه، فَقَدْ سألُ البسطاميُّ ربَّه أنْ يُلْبِسَهُ أنانيته، وَيرْفَعَه أَحَدِيتَه، وَلَوْ كانَ متحققًا مِنَ القولِ بوحدةِ الوجودِ لمْ يقلْ ذلكَ وَلَمْ يطلبْه؛ لأنَّه سيعلمُ يقينًا أنَّه هوَ اللهُ.

وَلذلكَ رآه الجنيدُ بسؤالِه هذا مقاربًا للحقيقةِ الصوفيةِ النهائيةِ، فقالَ: (وسؤالُه لذلكَ يدلُّ على أنَّه مقاربٌ لِمَا هناك ...)، ثمَّ شَرَحَ هذا القولَ بقولِه: (وقولُه: أَلْبِسْنِي وَزَينِّي وَارْفَعْنِي؛ يدلُّ على حقيقةِ ما وَجَدَهُ مما هذا مقدارُه ومكانُه، وَلَمْ يَنَلْ الحظوةَ إلَّا بقدرِ ما استبانَه)؛ أي: فهذا كانَ أبا يزيد في فهمِ الحقيقةِ الصوفيةِ، وَلَمْ يصلْ بَعدُ إلى فهمِنا على الحقيقةِ، فانظرْ أيها الأخ المُنْصِف أينَ كانَ الجنيد سيد التوحيدِ فِي الإسلامِ)([9]).

وَالقولُ السابعُ: سُئِلَ الجنيد عَنْ العارفِ؛ فَقَالَ: (لونُ الماءِ لَوْنُ الإناءِ)([10])، وَقولُه هذا يحملُ القولَ بوحدةِ الوجودِ؛ لأنَّ العُرْفَ عندَ الصوفيةِ يكونُ قَدْ وَصَلَ غايةَ التصوفِ بالفناءِ فِي اللهِ، فتكون صفاتُه البشريةُ قَدْ زالتْ وَتلاشتْ، وَعندها يستشعرُ الربوبيةَ وَيتصفُ بالصفاتِ الإلهيةِ، فهوَ هُنا كالماءِ يأخذُ لونَ الإناءِ الذي يُصَبُّ فيه.

وَالقولُ الثامنُ - مِنَ المجموعةِ الثانية -: عَرَّفَ الجنيدُ المعرفةَ بقولِه: (المعرفةُ جُودُ جَهْلِكَ عندَ قيامِ عِلْمِهِ، قيلَ لَهُ: زِدْنَا، قَالَ: هوَ العارفُ وَهوَ المعروفُ)، وَشرحَه الكلاباذي بقولِه: (معناه: أنَّكَ جاهلٌ بِهِ مِنْ حيثُ أنتَ، وَإنِّمَا عرفتَه مِنْ حيثُ هوَ)([11]).

وَأقولُ: قولُه هذا فيه تلغيزٌ وَتلبيسٌ، لكنَّه يتضمنُ القولَ بوحدةِ الوجودِ؛ بدليلِ قولِه: (هوَ العارفُ وَهوَ المعروفُ)، فبما أنَّ العارفَ هوَ العابدُ وَالمعروفَ هوَ اللهُ، فعندَما يصبحُ العارفُ هوَ المعروفُ فهذَا يعني أنَّ العبدَ هوَ اللهُ، وَاللهُ هوَ العارفُ، وَهذَا قولٌ بوحدةِ الوجودِ.

وَأمَّا شرحُ الكلاباذي لمقولةِ الجنيد، فهوَ قَدْ أَلْغَزَ كلامَه أكثرَ ممَّا شَرَحَه، وَأصبحَ يحتاجُ إلى شرحٍ آخر لتوضيحِ قولِه بوحدةِ الوجودِ، وَقَدْ شرحَ الباحثُ محمود القاسم كلامَ الكلاباذي بقولِه: (وَقولُ الكلاباذي: (أنَّك جاهلٌ بِهِ مِنْ حيثُ أنتَ ...)، فضميرُ المخَاطبِ "أنت" يرمزُ بِهِ إلى "الفَرْقِ"، فهوَ يريدُ أَنْ يقولَ: إنك جاهلٌ بِهِ - أي بالحقِّ - مِنْ حيثُ تعتقد أنَّك "أنت" وَلستَ "هوَ"، وإنما عَرَفْتَهُ مِنْ حَيْثُ أنَّك "هو")([12]).

بمعنى آخر؛ أَنَّ الصوفيَّ عندما يكونُ فِي مقامِ الفَرْقِ يكونُ جاهلًا باللهِ، لكنَّه عندما يصلُ مقامَ الجمعِ وَالتفريدِ يعرفُه؛ لأنَّه يكتشفُ أنَّه هوَ اللهُ حَسْبَ الكلاباذي وَأمثالِه.

القولُ الأخيرُ – التاسع -: بيَّنَ فيه الجنيدُ غايةَ التوكلِ وَآثارَه على الصوفي، بقولِه: (حقيقةُ التوكلِ أَنْ يكونَ للهِ تعالى كَمَا لَمْ يَكُنْ فيكونَ اللهُ لَهُ كَمَا لَمْ يَزَلْ)([13]).

وَقولُه هذَا يحملُ القولَ بوحدةِ الوجودِ، وَتفسيرُه هوَ أَنَّ الصوفيَّ المتوكلَ ينتهي بِهِ توكلُه إلى الفناءِ عَنْ ذاتِه وَعَن المخلوقات، بمعنى أنَّه ينمحي وَيتلاشى بصفاتِه وَذاتِه، فيفنى عَنْ نفسِهِ وَعَن الخلقِ، وَهُنَا يصبحُ غيرَ موجودٍ كَمَا كانَ قَبْلَ أَنْ يوجد، وَفِي هذه الحالةِ يستشعرُ الألوهيةَ وَالأزليةَ وَيُدْرك أنَّه هوَ اللهُ، وَلَا موجودَ على الحقيقةِ إلا الله، حَسْبَ زعمِه.


الهوامش

([1]) اللمع، السراج الطوسي، ص(315).

([2]) التخريج السابق.

([3]) الرسالة القشيرية، ص(127).

([4]) اللمع، السراج الطوسي، ص(316).

([5]) الرسالة القشيرية، ص(139).

([6]) طبقات الصوفية، أبو عبد الرحمن السلمي، ص(56).

([7]) اللمع، السراج الطوسي، ص(461).

([8]) التخريج السابق.

([9]) الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، عبد الرحمن عبد الخالق، ص(63).

([10]) التعرف لمذهب أهل التصوف، الكلاباذي، ص(138).

([11]) التخريج السابق.

([12]) الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، محمود عبد الرؤوف القاسم، ص(105).

([13]) التعرف لمذهب أهل التصوف، الكلاباذي، ص(101).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
الفناءُ فِي اللهِ (وحدة الوجود) (4).doc doc
الفناءُ فِي اللهِ (وحدة الوجود) (4).pdf pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى