الفناءُ فِي اللهِ (وحدة الوجود) (3)

الفناءُ فِي اللهِ (وحدة الوجود) (3)





الحمدُ للهِ وَالصلاةُ وَالسلامُ على رسولِ اللهِ وَآلِه وَصَحبِه وَمَنْ وَالَاه وبعد ... القولُ الثاني عشر: لذي النون أيضًا، قيلَ لَه: (بِمَ عرفتَ ربَّك؟، قالَ: عرفتُ ربِّي بربِّي، وَلولَا ربِّي لَمَا عرفتُ ربِّي)([1]).

وَأقولُ: كلامُه هذا يتضمنُ القولَ بوحدةِ الوجودِ، وَمعناه أنَّه عندما مارسَ الطريقَ الصوفيَّ وَبلغَ إلى الفناءِ فِي اللهِ؛ زالتْ وَانمحَتْ أوصافُه وَذاتُه فِي اللهِ، حتى أصبحَ هوَ اللهَ، فعرفَ اللهَ باللهِ حسبَ زعمِه.

وَذلكَ هو المعنى الذي قصدَه الرجلُ؛ لأنَّ الحالةَ التِي تكلمَ عنها لا تحدثُ للصوفيةِ إلَّا بالفناءِ الصوفي حسبَ وصفِهم لأحوالِهم وَتلبيساتِ الشيطاين عليهم، علمًا بأنَّ المعرفةَ الصحيحةَ باللهِ تعالى لا تتمُّ بالطريقِ الصوفي، وَإنِّما تتمُّ بالوحي الصحيحِ وَالعقلِ الصريحِ - الفطرةَ وَالبديهةَ - وَالعلمِ الصحيحِ، وَنتعرَّفُ عليه سبحانه وَنتقربُ إليه وَنتذوقُ لذةَ الإيمانِ بِه باتباعِ دينِه، وَالتأملِ فِي كتابِه وَمخلوقاتِه، وَاكتشافِ سُنَنِ كونِه وَتستخيرِها لخيرِ بنِي آدم.

وَبمعنى آخر؛ إنَّنا نعرفُ اللهَ بوحيه وَمخلوقاتِه، وَلا نعرفُ باللهِ مباشرةً كَمَا زعمَ ذو النون المصري، فهذا مستحيلُ الحدوثِ، وَالرجلُ قالَ بِذَلك بدعوى الفناءِ فِي اللهِ - وحدة الوجود -، وَهذَا زعمٌ باطلٌ قطعًا بدليلِ الشرعِ وَالعقلِ وَالعلمِ كَمَا سنبينه لاحقًا.

وَالقولُ الثالثُ عشر: لأبي سعيدٍ الخراز البغدادي، شَرَحَ معنى الجمعِ عِندَ الصوفيةِ بقولِه: (معنى الجمع: أنَّه أَوْجَدَهُم نفسَه في أنفسِهم، بَلْ أعدَمَهم وُجُودَهم لأنفسِهم عندَ وجودِهم لَه)([2]).

ثُمَّ شَرَحَ الكلاباذي كلامَه بقولِه: (معناه بقولِه: كُنْتُ لَه سمعًا وَبصرًا وَيدًا؛ فبِي يسمعُ وَبِي يبصرُ الخبرَ، وَذلك أنَّهم كانوا يتصرفون بأنفسِهم لَا لأنفسِهم، فصاروا متصرفين للحَقِّ بِالحَقِّ)([3]).

وَأقولُ: واضحٌ مِنْ كلامِ الخرازِ أنَّه يتكلمُ عنْ معنى الجمعِ عِنْدَ الصوفيةِ وَليسَ عَنْ معنى الفرق عندهم، فبيَّنَ أنَّ الجمعَ عندَهم يعني القولَ بوحدةِ الوجودِ؛ لأنَّه صَرَّحَ بِأَنَّ الصوفيَّ فِي حالةِ الجمعِ ينعدمُ وَينمحي تمامًا بذاتِه وَصفاتِه، فيجد نفسَه هي الله، لأنَّ اللهَ أوجدَ نفسَه فيهم.

وَهذَا قولٌ صريحٌ بوحدةِ الوجودِ، لكن الكلابذي عندمَا رأى كلامَ الخرازِ واضحًا في قولِه بوحدةِ الوجودِ حرَّفَه وَأخرَجَه مِنْ سياقِه وَفَسَّرَه "بحديث الولي" الذي يختفِي مِنْ ورائِه الصوفيةُ وَيفسرونَه على مقاسِهم وَطريقِهم.

وَهذَا الحديثُ سَبَقَ أنْ بيَّنَّا أنَّه غيرُ صحيحٍ، وَعلى فرضِ صحتِه فهوَ مناقضٌ لقولِ الخرازِ، حسبَ عقيدةِ وحدةِ الوجودِ، فتفسيرُه لقولِ الخرازِ غيرُ صحيحٍ، وَيندرجُ ضمنَ ممارسةِ الصوفيِّ للتلبيسِ وَالتغليطِ لإخفاءِ حقيقتِهم عَنْ المسلمين.

القولُ الرابع عشر: لأبي سعيد الخراز البغدادي، عَرَّفَ الفناءَ بقولِه: (الفناءُ هوَ التلاشي بالحَقِّ)([4])، بمعنى أنَّ الصوفيَّ يزولُ وَيفنَى باللهِ ليصبحَ هوَ اللهَ، فالفناءُ عندَه يعنِي وِحْدَةَ الوجودِ.

وَالقولُ الخامس عشر: هوَ أيضًا للخرازِ، مفادُه: (إذا أرادَ اللهُ - عزَّ وَجل - أنْ يوالي عبدًا مِنْ عبيدِه فَتَحَ لَهُ بابَ ذِكْرِه، فإذَا استلذَّ بالذكرِ فَتَحَ عليه بابَ القُرْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُ إلى مجلسِ الأُنْسِ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ على كرسي التوحيدِ، ثُمَّ رَفَعَ عنه الحُجُبَ فأدخلَه دارَ الفردانيةِ، وَكَشَفَ لَهُ عَنْ الجلالِ وَالعظمةِ، فإذَا وَقَعَ بصرُه على الجلالِ وَالعظمةِ بقي بِلَا هوَ؛ فحينئذٍ صارَ العبدُ فانيًا، فَوَقَعَ فِي حِفْظِ اللهِ وَبَرِئَ مِنْ دعاوى نفسِه)([5]).

وَأقولُ: خلاصةُ كلامِه أنَّه يتضمنُ القولَ بوحدةِ الوجودِ فَحَسْب.

كلامُه أنَّ الصوفيَّ الذي يمارسُ العباداتِ الصوفيةِ يصلُ فِي النهايةِ إلى حالةِ الفناءِ، وَفيها تنمحي وَتزولُ نفسُه فيبقَى "بِلَا هوَ"، وَهُنَا يرى وَيستشعرُ "الفردانية"، بمعنَى أنَّه أصبحَ لَا يُفَرِّقُ بينَ الخالقِ وَالمخلوقِ، وَبينَ العبدِ وَاللهِ، وَإنِّمَا أصبحَ يتذوقُ الفرداينةَ التِي تعني الجَمْعَ لَا الفرقَ، فيصبحُ هوَ اللهَ حَسْبَ زَعْمِ الصوفيةِ، فَلَا وجودَ إلَّا لفردٍ واحدٍ، وَلَا موجودَ إلَّا الله.

القولُ السادس عشر: للصوفيِّ أبِي عبدِ اللهِ الكوفي المعروفِ بـ"شكثل"، كانَ لا يكلمُ الناسَ: (وَيأوي إلى الخراباتِ فِي سوادِ الكوفة، وَكَانَ لَا يأكلُ إلَّا المباحَ وَالقماماتِ)، فقالَ لَهُ أحدُ الصوفيةِ يومًا: (سألتُكَ باللهِ ألَا أخبرتنِي مَا الذي مَنَعَكَ عَنْ الكلامِ؛، فقالَ: يا هذا، الكونُ توهم فِي الحقيقةِ، وَلَا تَصِحُّ العبارةُ عَمَّا لا حقيقةَ لَهُ، وَالحقُّ تَقْصُرُ عَنْهُ الأقوالُ دونَه، فمَا وَجْهُ الكلامِ؟! وَتَرَكَنِي وَمَرَّ)([6]).

وَأقولُ: هذا الرجلُ بسببِ ممارستِه لعباداتِ الطريقِ الصوفي - المخالف للعباداتِ الشرعيةِ - بلغَ درجةَ الغيبةِ عنْ الخلقِ، فَأَصْبَحَ لا يرى للكونِ بكائناتِه وجودًا حقيقيًّا له، إنَّما هوَ أشباحٌ وَتوهماتٌ وَخيالاتٌ، وَمَنْ هذَا حالُه فَلَا يصح الكلامُ مَعه، فالرجلُ لَمْ يكنْ يرى للناسِ وجودًا حقيقيًّا، وَلهذَا لَمْ يكلمْهم، وَإنِّمَا الوجودُ الحقيقي الوحيدُ هوَ للهِ - الحق كَمَا سمَّاه الرجل -، فكُلُّ مَا فِي الكونِ أشباحٌ وَمظاهر للحقِّ، فهيَ اللهُ، وَهوَ هي، وَهذَا قولٌ بوحدةِ الوجودِ.

وَالقولُ السابع عشر: لأبِي يعقوب المزابلي، عَرَّفَ حقيقةَ التصوفِ وَنهايتَه بأنَّه: (حالٌ تضمحلُّ فيها معالمُ الإنسانيةِ)([7]).

وَمَعنى كلامِه أنَّ الصوفيَّ تزولُ وَتفنى بشريتُه بممارستِه للعباداتِ الصوفيةِ، فيصبح يستشعرُ الألوهيةَ بعدما تخلَّصَ مِنْ بشريتِه، وَبِمَعنى آخر يصبحُ هوَ اللهَ، وَهذَا قولٌ بوحدةِ الوجودِ، وَكُفْرٌ بالشرعِ وَالعقلِ وَالعِلْمِ.

وَالقولُ الثامن عشر: لعلي بن بندار الصيرفي النيسابوري، عرَّفَ حقيقةَ التصوفِ بأنَّه: (إسقاطُ رؤيةِ الخلقِ، ظاهرًا وَباطنًا)([8]).

وَقولُه هذا يشبهُ قولَ الصوفي أبي عبدِ اللهِ شكثل، فعندما يَصِلُ الصوفيُّ - بعدَ ممارساتِه للعباداتِ الصوفيةِ - إلى غايةِ التصوفِ يغيبُ وَيفنى عَنْ رؤيةِ نفسِه وَغيرِه مِنَ الكائناتِ التِي هيَ مجردُ أشباحٍ للحقِّ، وَهُنَا يستشعرُ الألوهيةَ حَسْبَ زَعْمِ الصوفيةِ.

وَالقولُ التاسع عشر: لمحمد النفري، زَعَمَ أَنَّ اللهَ أَوْقَفَهُ فِي الأدبِ وَقالَ لَهُ: (طلبُك منِّي وَأَنْتَ لَا تَرَاني عبادةٌ، وَطلبُك مِنِّي وَأَنْتَ ترانِي استهزاءٌ)([9]).

وَقولُه هذا يرسمُ بعضَ معالمِ الطريقِ الصوفي، وَيتضمنُ القولَ بوحدةِ الوجودِ، فَحَسْبَ زعمِه أنَّه عندما كانَ مَا يزال بشرًا أثناءَ ممارستِه للعباداتِ الصوفيةِ كانَ طلبُه مِنَ اللهِ عبادةً، لكنَّه بعدمَا بلغَ غايةَ التصوفِ وَتخلصَ مِنْ بشريتِه وَبَلَغَ مقامَ المشاهدِ أصبحَ ربًّا، فلَا يصح لَهُ أَنْ يطلبَ مِنه شيئًا، وَلَا أنْ يكونَ عابدًا لَه لأنَّه في هذه الحالةِ يكون يستهزئُ بِه؛ لأنَّ اللهَ لا يطلبُ مِنْ نفسِه، وَالطلبُ فِي هذه الحالةِ استهزاءٌ.

وَلَاشَكَّ أَنَّ مَا قاله النفري كلامٌ باطلٌ، وَافتراءٌ على اللهِ وَرسولِه، وَعلى العقلِ وَالعلمِ وَالناسِ، وَذلكَ الموقفُ الذي حكاه هوَ أوهامٌ وَخيلاتٌ وَهلوساتٌ، وَتلبيساتٌ نفسيةٌ وَشيطانيةٌ؛ لأنَّ الإنسانَ لَنْ يصبحَ ربًّا، وَلا يستغني عَنْ دعاءِ خالقِه، وَاللهُ تعالى أَمَرَنَا بدعائِه فِي كُلِّ أحوالِنا.

وَقَدْ كَانَ الأنبياءُ - وَهم أفضلُ البشرِ - وَمَعَهم المؤمنون يدعون اللهَ تعالى خوفًا وَطمعًا فِي كلِّ أحوالِهم، وَلَمْ يأمرهم اللهُ تعالى بعدمِ دعائِه بدعوى أنَّهم بَلَغُوا أعلى درجاتِ الإيمانِ وَالعلمِ بِهِ، بَلْ العكس، فإنَّه مَدَحَهُم وَأَثْنَى عليهم بدعائِهم لَهُ، بقولِه سبحانَه: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90].

وَقَالَ تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16].

وَالقولُ العشرون: لِعَبْدِ الرحمنِ الفارسي، سُئِلَ عَنْ كمالِ المعرفةِ؛ فَقَالَ: (إِذَا اجتمعتْ المفترقاتُ، وَاستوتْ الأحوالُ وَالأماكنُ، وَسَقَطَتْ رؤيةُ التمييزِ)([10]).

وَقولُه: هذا يكاد يكونُ صريحًا فِي القولِ بوحدةِ الوجودِ، وَمفادُه أنَّ الصوفيَّ عندما تكتملُ معرفتُه تنمحي وَتزول ذاتُه، وَيغيب عَنْ رؤيةِ الخَلْقِ، وَيسقُط التمييزُ بَيْنَ مظاهر الكائناتِ، فكلُّ مَا كانَ يراهُ مِنْ موجوداتٍ متفرقةٍ وَمتباينةٍ أصبحَ يراها كلَّها مجتمعةً تُمَثِّلُ أمرًا واحدًا هوَ الله.

وَهُنَا يكونُ الصوفيُّ قَدْ انتقلَ مِنْ مقامِ الفرقِ إلى مقامِ الجمعِ حَسْبَ زعمِ الصوفيةِ، وَفِيه انمحتْ الفوارقُ الزمانيةُ وَالمكانيةُ، وَزالَ التمييزُ بَيْنَ الخالقِ وَالمخلوقِ، وَأصبحَ الكلُّ هوَ اللهُ، وَاللهُ هُوَ الكلُّ حَسْبَ خرافةِ وحدةِ الوجودِ، التِي هيَ غايةُ العبادةِ الصوفيةِ.

وَالقولُ الواحد والعشرون: للمؤرخِ الصوفي السراج الطوسي، ذَكَرَ فيه أهمَّ صفاتِ التصوفِ وَأهلِه، فَقَالَ: (وَللصوفيةِ أيضًا مستنبطاتٌ فِي علومٍ مُشْكَلَةٍ على فُهُومِ الفقهاءِ وَالعلماءِ؛ لأنَّ ذلكَ لطائفُ مودعةٌ فِي إشاراتٍ تَخْفَى فِي العبارةِ مِنْ دِقَّتِهَا وَلَطَافَتِهَا؛ وَمِنْ ذلكَ في معنى العوارض وَالعوائق وَالعلائق وَالحُجُبِ، وَخبايا السِّرِّ وَمقاماتِ الإخلاصِ وَأحوالِ المعارفِ وَحقائق العبوديةِ، وَمحو الكونِ بالأزلِ، وَتَلاشي المُحْدَثِ إذَا قُورِنَ بالقديمِ، وَجَمْعِ المتفرقاتِ، وَالقدومِ علَى سلوكِ سُبُلٍ منطمسةٍ، وَعبور مفاوزَ مهلكةٍ)([11]).

وَأقولُ:

أولًا: إِنَّ الرجلَ اعترفَ بِأَنَّ الصوفيةَ أخفوا أسرارَ العبادةِ الصوفيةِ بإشاراتِهم الملغزةِ وَمصطلحاتِهم المُبْهَمَةِ، أخفوها عَنْ المسلمين لكي لا يكتشفوا مخالفةَ التصوفِ وَأهلِه لدينِ الإسلامِ.

وَثانيًا: إِنَّ السراجَ الطوسي اعترفَ أَنَّ مِنْ غاياتِ التصوفِ بلوغَ الصوفيِّ إلى مقامِ وحدةِ الوجودِ بقولِه: (وَمحوُ الكونِ بالأزلِ، وَتلاشي المُحْدَثِ إذَا قُورِنَ بالقديمِ، وَجمعُ المتفرقاتِ)، وَمَعنى كلامِه أنَّ الصوفيَّ يصلُ إلى مرتبةٍ ينمحي فيها ككائن مُحْدَثٍ بالأزلِ وَالقِدَمِ، أي: يزولُ وَيفنى باللهِ وَفِي اللهِ، فيصبح هوَ اللهَ حَسْبَ زعمِه.

وَأمَّا قولُه: (وَجَمْعُ المتفرقاتِ): فيعني أنَّ الصوفيَّ يخرجُ مِنْ حالِ الفرقِ بَيْنَ العابدِ وَالمعبودِ، وَبَيْنَ اللهِ وَالكائناتِ، ليصلَ إلى حالِ الجمعِ بَيْنَ اللهِ وَمخلوقاتِه، وَهُنَا تجتمعُ عِنْدَ الصوفيِّ المتفرقاتُ، وَيصبحُ الكونُ مجموعًا فِي اللهِ، فاللهُ هُوَ عَيْنُ الكونِ، وَالكونُ هُوَ عينُ اللهِ، وُهذَا هُوَ الاعتقادُ بِكُفريةِ وحدةِ الوجودِ التي يدندنُ حولَها الصوفيةُ.

وَالقولُ الثاني وَالعشرون: للسراج الطوسي، مفادُه أَنَّ مِنْ غاياتِ التصوفِ حالةً يصلُ إليها الصوفيُّ تُسمَّى "التفريد"، وَهُوَ: (إفرادُ القِدَمِ بِرَفْعِ الحدثِ وَوجودُ حقائقَ الفردانيةِ)([12]).

وَقوله هذا يتضمنُ القولَ بوحدةِ الوجودِ، وَمعناه أَنَّ الصوفيَّ يصلُ إلى حالةٍ ينمحي فيها المخلوقُ، وَيزولُ فيها إحساسُه بالحوادث، فيرتفعَ الحدثُ، وَيُفْرِد فيها اللهَ بالبقاءِ، وَهُنَا يستشعرُ الصوفيُّ مظاهرَ الفردانيةِ لإفرادِه اللهَ بالوجودِ وَالقِدَمِ دونَ غيرِه مِنَ الكائناتِ التي هيَ مجردُ أشباحٍ لَا وجودَ حقيقيَّ لَهَا حَسْبَ خرافةِ وِحْدَةِ الوُجُودِ.

وَالقولُ الأخيرُ - الثالث والعشرون مِنَ المجموعةِ الأولى -: هُوَ أيضًا للسراج الطوسي، عَرَّفَ فيه معنى الرسمِ بقولِه: (و"الرسم" مَا رُسِمَ بِهِ ظاهرُ الخَلْقِ برسمِ العلمِ وَرَسْمِ الخَلْقِ، فَيَنْمَحي بإظهارِ سلطانِ الحَقِّ عَلَيْهِ)([13]).

وَمَعْنَى قولِه: أَنَّ مَا نراه مِنْ كائناتٍ هوَ مجردُ رسومٍ وَأشكالٍ تظهرُ لَنَا كصفاتٍ لِمَا نراه مِنَ الخَلْقِ؛ لكنَّها فِي الحقيقةِ هِيَ رسومٌ وهميةٌ لَا حقيقةَ لَهَا فِي الوجودِ، وَلِهَذَا فهي تزولُ وَتختفي عِندَ الصوفيِّ الذي وَصَلَ إلى حالِ الفناءِ فِي اللهِ، وَهُنَا تزولُ تِلْكَ الرسومُ مِنْهَا الصوفيُّ ذاتُه، ليجدَ نفسَه أنَّه هوَ الله، وَيكتشفَ أنَّ الكونَ كلَّه هوَ الله حَسْبَ زَعْمِ السراجِ الطوسي.



الهوامش:

([1]) الرسالة القشيرية، ص(142).

([2]) التعرف، الكلاباذي، ص(121).

([3]) التخريج السابق.

([4]) عوارف المعارف، الشهاب السهروردي، (2/312).

([5]) الطبقات الكبرى، الشعراني، ص(134-135)، والرسالة القشيرية، ص(118).

([6]) الرسالة القشيرية، ص(148).

([7]) الرسالة القشيرية، ص(128).

([8]) طبقات الصوفية، أبو عبد الرحمن السلمي، ص(129).

([9]) المواقف والمخاطبات في التصوف، محمد النفري، ص(5).

([10]) اللمع، السراج الطوسي، ص(62).

([11]) المصدر السابق، ص(23).

([12]) المصدر السابق، ص(425).

([13]) المصدر السابق، ص(427).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
الفناءُ فِي اللهِ (وحدة الوجود) (3).doc doc
الفناءُ فِي اللهِ (وحدة الوجود) (3).pdf pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى