المخالفات العقدية التي يتضمنها الريكي والعلاج البراني (2)

المخالفات العقدية التي يتضمنها الريكي والعلاج البراني (2)





الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد؛..
1-ادعاء معرفة بعض الأمور الغيبية: ومن ذلك ما يدعيه المعالجون ب"الريكي والبرانا" القدرة على التنبؤ بوقوع المرض قبل ظهوره، أو ظهور أي من أعراضه، وذلك من خلال فحص ما يسمى "الهالة" كما سبق توضيحه، ومن ذلك ما يؤكده مؤسس العلاج البراني في أكثر من موضع من كتبه من أن بعض أنواع وممارسات "العلاج البراني" تعرف عليها عن طريق اتصاله وتواصله مع روح معلمه الميت" مي لينغ" فهو هنا يدعي توصله إلى المعومات، من أرواح الأموات، وادعاء تلقي العلوم والمغيبات من الأموات نوع من التكهن، ومحادثة الأرواح وسؤالهم كله: "أعمال شيطانية وشعوذة باطلة داخلة فيما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم من سؤال الكهنة والعارفين وأصحاب التنجيم ونحوهم"[1].
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أتى كاهنا، أو عرافا فصدقه بما قول فقد كفر بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم"[2]، وتصديق تشو كوك-مؤسس العلاج البراني- بما يزعم ويدعي بعد ثبوت ادعائه التواصل مع الأموات والتلقي عنهم داخل في سؤال الكهنة والعارفين، "لا يجوز للمريض أن يذهب إلى الكهنة الذين يدعون معرفة المغيبات ليعرف منهم مرضه، كما لا يجوز له أن يصدقهم فيما يخبرونه به فإنهم يتكلمون رجما بالغيب أو يستحضرون الجن ليستعينوا بهم على ما يريدون، وهؤلاء حكمهم الكفر والضلال إذا ادعوا علم الغيب"[3].
2-ادعاء القدرة على تحقيق المعجزات، وامتلاك القدرات الخارجة: لقد كانت نشأة أحد أنواع العلاج بالطاقة وهو: "الريكي" مبنية على محاولة محاكاة معجزة الشفاء عند نبي الله عيسى عليه وسلم، كما أن الهدف من ممارسة الريكي والعلاج البراني هو امتلاك معجزات الشفاء، ومن صور ذلك ادعاء المعالجين بـــــ"الريكي والبرانا": "ادعاء القدرة على معالجة المرضى عن بعد، ادعاء أن الأمنيات تحقق عند وضعها في صندوق وإرسال طاقة الريكي إليها"، وهذا ناتج عن الاعتقاد بوجود قوة داخلية يمكنها توجيه أمر خفي وهو "الطاقة" لتحقيق ما ينويه من أهداف وهذا لا يتم إلا بعد الاتصال بما يسمى: " الطاقة الكونية" الذي يدرب عليه ويقوم بهم معلم أو ماستر الطاقة، وهذا فيه:
  • ادعاء قدسية ذات الإنسان، والتي تتحقق بمزاعم الاتحاد والوحدة-والتي سبق الحديث عنها- وما يترتب عليه من الاعتقاد بقوة الفكر والنوايا وأنها مدبرة صانعة مغيرة للواقع، وفق فلسفة واهية تفترض وجود تداخل وتناغم بين الإنسان والكون، وأن الكون بما فيه يخضع لفكر الإنسان وإردته، يستجيب له[4]، ومن ذلك اعتبار إرسال النوايا إلى صندوق الريكي كاف في تغيير الحال وتحقيق الأمنيات، وهذا فيه مشاركة لله في عز وجل في تدبيره وتقديره، واستغناء عن مسألته ودعائه، وقد أكد سبحانه في عدة مواضع من كتاب على اختصاصه بالتدبير، الذي يقتضي توحيده وعبادته، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس: 3].
أما القول بإمكان تحصيل الخوارق كمخاطبة البعيدين أو التأثير عليهم فلا يخرج عن حالات:
  • أن يكون من التوهم، أو الكذب والافتراء واستغلال حاجة الناس.
  • أن لا يكون خارجا للعادة أصلا بل هو من الحيل الطبيعية والتي له تفسير علمي، وتخفى على بعض من الناس.
  • أو أن يكون خارقا حقيقا لا يمكن تفسيره علميًا، فهذا على نوعين:
    • أن يكون معجزة وهذا يستحيل فالمعجزة خاصة بالأنبياء، كما أنها ليست من قبيل الكرامات[5] والتي تظهر للصالحين إذ أن ما قد يجريه الله على أيدي الصالحين من كرامات لا يكتسب بالدربة ولا بالتأمل والعزلة، كما يدعي هؤلاء، بل يحرص صاحبها على إخفائها خشية من العجب والرياء، فإذا استحال هذا فإن الخارق يكون:
    • شيطانيا: وهو إما أن يكون بعلم الفاعل، وذلك باستعانة بالشياطين مثل ما يقوم به السحرة والكهان، أو أن يكوون من غير علم الفاعل مثل من تلبست بهم الشياطين، فيظهر عليهم من الخوارق التي يظن أنها من الكرامات وهي في الحقيقية من تلبيس الشياطين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عند حديثه عن أصناف المشركين الذين لهم اجتهاد في العلم والزهد من العرب والهنود وغيرهم: "إن هؤلاء ليسوا بمؤمنين ولا أولياء لله تعالى، وهؤلاء تقترن بهم الشياطين وتتنزل عليهم، فيكاشفون ببعض الأمور، ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر"[6].
3- زعم البعض بأن المقصود بالطاقة الكونية ومرادفاتها تشي، برانا هو "الروح"، وهذا زعم فاسد وباطل لأمور منها:
أن الله عز وجل أخبرنا في مخكم التنزيل أن حقيقة "الروح" مما استأثر الله بعلمه  فقال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85].
قال البغوي في تفسيره: "وأولى الأقاويل: أن يوكل علمه إلى الله عز وجل، وهو قول أهل السنة"[7]، وبالتالي فلا عبرة في الخوض في معاني الروح وحقيقتها، بخلاف ما دلت عليه النصوص الشرعية عن حال الروح ومصيرها:" فقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأرواح تقبض وتنعم وتعذب ويقال لها: اخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ويقال لها: اخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ويقال للأولى أبشري بورح وريحان ويقال للثانية: أبشري بحميم وغساق"[8]، إذ "ليس في الكتاب والسنة  أن المسلمين نهو أن يتكلموا في الروح بما دل عليها الكتاب والسنة لا في ذاتها ولا في صفاتها وأما الكلام بغير علم فذلك محرم"[9].
          ففي الآية السابقة: "ما يزجر الخائضين في شأن الروح، المتكلفين لبيان ماهيته، وإيضاح حقيقته، أبلع زجر، ويردعهم أعظم ردع، وقد أطالوا المقال في هذا البحث، بما لا يتسمع له المقام، وغالبه، بل كله من الفضول الذي لا يأتي بنفع في دين أو دنيا فقد استأثر الله-تعالى-بعلم الروح، ولم يطلع عليه أنبياءه، ولم يأذن لهم بالسؤال عنه" [10]، وقد أكثر بعض الناس الحديث عن الروح وتباينت فيه أقوالهم، ولم تفد في ذلك شيئا ولا طائل من ورائها، ولم تقدم ولم تؤخر في حقيقة الروح[11]، وكما دلت الآية السابقة على إبهام حقيقة الروح فإن في ذلك كما قال ابن بطال: "اختبار الخلق ليعرفهم عجزهم عن علم مالا يدركونه حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه"[12].
     كيف بمن جهل حقيقتها أن يدعي استخدامها والعلاج بها، بل إرسالها واستقبالها فهذا مخال عقلا، ولا يمكن حتى تصوره إلا بعد معرفة مستنداته الفلسفية والتي تقوم على النظرة الوحدوية للوجود، وهو ما يعبر عنه ب"وحدة الوجود" وما يتضمنه من قول بالحلول والاتحاد، الذي سبق التفصيل فيه وبيان فساد وبطلانه، ثم إن إطلاق وصف الروح على مفهوم فلسفي مطلق ليس جديدا بل هو شبيه بأقوال الفلاسفة السابقين حيث أشار ابن تيمية-رحمه الله- إلى إطلاق بعضهم اسم الروح على "الفلك التاسع، والعقل الفعال"[13]، وهي مصطلحات فلسفية يعبر بها عن المصدر، ومبدأ الحوادث.
 
الهوامش:
[1] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ابن باز (3/309-316).
[2] أخرجه أبو داوود، كتاب الطب، باب في الكاهن (3904) (4/15)، الحديث صححه الألباني.
[3] مجموع الفتاوى (3/274-275).
[4] انظر: مرشد الشخص العادي إلى النظام الكوني، ترجمة: سحر خريص (5-18).
[5] الكرامة: ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص صالح غير مقارن لدعوى النبوة، انظر: التعريفات (1/235).
[6] الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ابن تيمية (83-84).
[7] معالم التنزيل في تفسير القرآن (3/160).
[8] مجموع الفتاوى، ابن تيمية (4/223).
[9] المرجع السابق (4/231).
[10] التفسير الوسيط، الطنطاوي (8/423).
[11] الغيب والعقل، إلياس بلكا (202).
[12] فتح الباري، ابن حجر (9/321).
[13] الرسالة العرشية، ابن تيمية (4).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
المخالفات العقدية التي يتضمنها الريكي والعلاج البراني (2) doc
المخالفات العقدية التي يتضمنها الريكي والعلاج البراني (2) pdf

ذات صلة

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى